بقلم
المحامي الدكتور محمد أديب الحسيني
أمين سر نقابة المحامين في الجمهورية العربية السوريةأولاً - اتفاق التحكيم هو مصدر سلطة المحكمين :
المبدأ أنه لا يعرض
نزاع على محكمين إلا باتفاق ذوي الشأن اتفاقاً واضحاً على الفصل فيه بطريق التحكيم
.
وبمقتضى اتفاق التحكيم
ينزل الخصوم عن الالتجاء إلى القضاء ويلتزمون بطرح النزاع على محكم أو أكثر للفصل
فيه بحكم ملزم .
ويعرِّف القانون السوري
اتفاق التحكيم بأنه "اتفاق طرفي النزاع على اللجوء للتحكيم للفصل في كل أو
بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشا بينهما بشان علاقة قانونية معينة عقدية
كانت أو غير عقدية" ( المادة /1/ من القانون /4/ لعام 2008 ) .
ويأخذ الاتفاق على
التحكيم إحدى ثلاث صور :
-
شرط
التحكيم .
-
ومشارطة
التحكيم .
-
والإحالة
إلى وثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم .
وشرط التحكيم Arbitration clause هو اتفاق بين
طرفين أو أكثر على أن ما قد ينشأ بينهما من نزاع بشأن علاقة قانونية معينة يفصل
فيه بواسطة التحكيم ، ويرد هذا الشرط في نفس العقد الأصلي مصدر الرابطة القانونية
وهذا هو الشكل الغالب في الواقع العملي للاتفاق على التحكيم .
وقد يرد الاتفاق على
التحكيم في وثيقة مستقلة ، وهذه الوثيقة قد تستند إلى شرط تحكيم وارد في عقد أو قد
تنشا بعد إبرام العقد أو بعد قيام النزاع ولو لم يكن في العقد شرط تحكيمي ، ويمكن
أن يكون إبرام هذه الوثيقة ناشئاً عن نزاع تعاقدي أو غير تعاقدي وتسمى هذه الوثيقة
مشارطة التحكيم Arbitration Agreement .
وقد يرد الاتفاق على
التحكيم على صورة إحالة إلى وثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم . ويحدث ذلك عادة في عقود
الشحن بالسفن أو الطائرات ، كأن يتضمن عقد إيجار سفينة شرط تحكيم . ثم يتم إبرام
عقد شحن بحري وتتم الإحالة فيه على وثيقة إيجار السفينة إحالة واضحة في اعتبار شرط
التحكيم الوارد فيها حزءاً من العقد .
وقد نصت المادة /7/ من
قانون التحكيم السوري رقم /4/ لعام 2008 على هذه الصيغ الثلاث للاتفاق على التحكيم
بقولها :
((
1- يجوز الاتفاق على التحكيم عند التعاقد وقبل قيام النزاع سواء أكان الاتفاق
مستقلاً بذاته أم ورد في عقد معين بشأن كل أو بعض المنازعات التي تنشأ بين الطرفين
وفي هذه الحالة يجب أن يحدد موضوع النزاع في بيان الدعوى المشار إليه في المادة
/27/ من هذا القانون .
كما يجوز أن يتم
الاتفاق على التحكيم بصورة لاحقة لقيام النزاع ولو كان هذا النزاع معروضاً على
القضاء للفصل فيه وفي هذه الحالة يجب أن يحدد الاتفاق المسائل التي يشملها وإلا
كان الاتفاق باطلاً .
2- يعتبر اتفاقاً على التحكيم كل إحالة ترد في
العقد إلى وثيقة تتضمن شرط تحكيم إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط
جزءاً من العقد )) .
و (( يعتبر شرط التحكيم
اتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى ولا يترتب على انتهاء العقد أو بطلانه أو
فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم متى كان هذا الشرط صحيحاً في ذاته ما لم
يتفق الطرفان على غير ذلك )) ، [ المادة /11/ من قانون التحكيم السوري رقم 4/2008 ]
.
من ذلك كله نصل إلى
القاعدة الأساسية في التحكيم وهي أن توافق إرادة الطرفين هو أساس التحكيم وهو مصدر
سلطة المحكمين وبخاصة لجهة تحديد نطاق التحكيم والمنازعات التي يشملها ويعود لها
حق الفصل فيها .
ومن هنا تظهر الأهمية
البالغة لصياغة اتفاق التحكيم والمشكلات الحقيقة التي تنتج عن الصياغة الرديئة
لاتفاق التحكيم والتي قد تؤدي إلى فشل التحكيم أو بطلان الحكم التحكيمي .
ثانياًَ - تفسير اتفاق التحكيم :
إن مسألة تفسير البند
التحكيمي تحكمها قاعدة التفسير الضيق باعتبار أن اللجوء للتحكيم هو استثناء من
الأصل الذي يقضي بأن القضاء هو صاحب الولاية العامة . لذلك فمن غير الجائز التوسع
في تفسير الشرط التحكيمي .
وفي هذا تقول محكمة النقض السورية :
(( يجب أن يفسر شرط
التحكيم تفسيراً ضيقاً مع كامل الحيطة والدقة ومع التزام ألفاظه وعدم تأويلها بما
لا يتطابق معها من معانٍ ، باعتبار أن التحكيم استثناء من القاعدة العامة التي
توجب الالتجاء إلى القضاء العادي في كل الأحوال)) ، [ نقض سوري – الغرفة المدنية
الثانية – قرار /1161/ أساس /1532/ تاريخ 28/9/1997 ، منشور في "موسوعة
القضاء المدني" للمحامي محمد أديب الحسيني ، الجزء الثالث ، ص /230/ ،
القاعدة /4545/ ] .
وهذا ما هو عليه الاجتهاد القضائي العربي :
فقد أكدت محكمة استئناف
القاهرة الدائرة /91/ تجاري في قرارها الصادر
في الدعوى رقم /73/ تاريخ 30/1/2007 أن (( التحكيم مقصور على ما تنصرف إليه
إرادة المحتكمين )) [ قرار منشور في
"مجلة التحكيم" الصادرة في لبنان ، العدد الثالث تموز 2009 ، ص /558/ ]
.
كما بيّنت محكمة
استئناف القاهرة أيضاً أن (( صدور حكم التحكيم دون وجود اتفاق بالشكل الواجب
قانوناً يفضي إلى البطلان .. مما تقضي المحكمة ببطلان حكم التحكيم )) . [ قرار محكمة استئناف القاهرة ، مأمورية الجيزة
، دائرة /91/ تجاري ، الصادر في الدعوى رقم /7/ تاريخ 1/10/2005 ، منشور في
"مجلة التحكيم" الصادر في لبنان ، العدد الثاني ، نيسان 2009 ، ص /399/
] .
كما أكدت محكمة
الاستئناف التجارية بالدار البيضاء ( المغرب ) أن (( شرط التحكيم يجب أن يفسر
تفسيراً ضيقاً مع التزام التقيد بما ورد فيه وعدم تأويله بما لا يتطابق معه من
معانٍ لأن التحكيم هو استثناء من القاعدة العامة التي توجب الالتجاء إلى القضاء ،
وإن الاستثناء دائماً كقاعدة عامة لا يجوز التوسع فيه ... وعليه فإن القرار التحكيمي
مشوبٌ بعيوب تتعلق بالنظام العام إذا تم الحكم في مسائل لم يتم الاتفاق بشأنها في
شرط التحكيم )) [ قرار رقم 1489/2006 تاريخ 31/3/2006 ، منشور في "مجلة
التحكيم" الصادرة في لبنان ، العدد الثالث ، تموز 2009 ، ص /637/ ] .
في ضوء ذلك ، وأمام
مبدأ أن اتفاق التحكيم هو مصدر سلطة المحكمين وهو الذي يحدد نطاق التحكيم والمسائل
التي تدخل فيه ، وأن البند التحكيمي يفسر دائماً تفسيراً ضيقاً مع التزام ألفاظه
وعدم تأويلها إلا بما يتطابق معها من معانٍ ،
في ضوء ذلك كله ، تكون
مسألة صياغة البند التحكيمي مسألة في غاية الأهمية وأن الصياغة الرديئة لاتفاق
التحكيم من شأنها أن تهدر العملية التحكيمية برمتها وقد تحول دون إعمال بند
التحكيم أو إبطال الحكم التحكيمي .
ثالثاً
– أهم الأخطاء والعيوب في صياغة بند التحكيم :
إن معظم النزاعات بصدد
التحكيم تنشأ متسربة من عبارات أو شقوق شرط تحكيمي ضعيف ناقص أو غامض أو مشوش أو
متردد .
وعلى الرغم أنه من
الصعب تحديد ما يمكن أن تكون عليه الصياغة المثلى لبند التحكيم الكامل ، إلا أن
هناك مجموعة من الأخطاء الخطيرة التي تعتري شرط التحكيم والتي يتعين الحرص على
تجنبها لتحصين اتفاق التحكيم .
وسنحاول فيما يلي التعرف على أهم هذه الأخطاء والعيوب :
1
– غموض عبارات الاتفاق على التحكيم وعدم قطعيتها في
اعتماد طريق التحكيم وسيلة ملزمة لحل النزاع :
إن الهدف الأساسي لكل
من يصوغ شرط التحكيم ينبغي أن يتلخص بصياغة بند تحكيمي يحقق هدفه عند نشوب النزاع
بالحصول على حكم دون اللجوء للمحاكم.
لذلك يجب أن يكون البند
التحكيمي واضحاً وقاطعاً في الدلالة على أن الطرفين قد اعتمدا التحكيم طريقاً
إلزامياً لحل النزاع ، ودون أي غموض في معنى وجوب الالتجاء إلى التحكيم :
أ
– لذلك يتعين اجتناب استخدام عبارات جوازية عند صياغة الاتفاق
على التحكيم كالقول (( يجوز إحالة النزاع إلى التحكيم لحل الخلافات الناشئة عن
العقد )) .
فمن غير الواضح بالنسبة
للمدعي في مثل هذه الحالة هل يلجأ إلى القضاء أم إلى التحكيم ، أما بالنسبة للمدعى
عليه فإنه يستطيع وحسبما يرى مصلحته أن ينفذ من خلال تلك الصيغة الضعيفة وأن يتخلص
من شرط التحكيم كلية ويفشل التحكيم .
ب
– وكذلك الأمر في حالة النص على اختصاص التحكيم واختصاص القضاء في العقد ذاته .
فقد يتضمن العقد نصاً
بإحالة الخلافات الناشئة عنه إلى التحكيم ، ثم يتضمن في موقع آخر منه نصاً بأن
تكون محاكم مدينة (( كذا )) هي المحاكم المختصة للنظر بالمسائل المتعلقة بالعقد .
ولما كان التحكيم
طريقاً استثنائياً لا يجوز التوسع فيه ، وأن القضاء هو صاحب الولاية العامة ، الأمر
الذي تنتهي معه هذه الحالة بتقرير اختصاص القضاء صاحب الولاية العامة وفشل الشرط
التحكيمي .
لذلك يتعين في مثل هذه
الحالة وعند النص على المحاكم المختصة القول بأن (( محاكم مدينة "كذا"
تكون هي المختصة للنظر بالمسائل المتعلقة بالعقد وذلك دون الإخلال بشرط التحكيم ))
.
ج
– كما يتعين عدم المزج بين اللجوء إلى التحكيم وإلى قضاء المحاكم في الوقت ذاته :
كأن ينص شرط التحكيم
على أن (( أي خلاف ينشأ عن تنفيذ العقد يحال إلى التحكيم وفي حالة عدم الاتفاق بين
المحكمين المختارين من الأطراف من المتفق عليه أن يتم إحالة النزاع إلى المحاكم
العادية )) .
فمثل هذا الشرط وما
شابهه أن يثير التساؤل عن طبيعة آلية حسم النزاعات الحاصلة ، وإن مثل هذه الصياغة
الغامضة تؤكد مدى أهمية التحديد الواضح والبسيط لوسيلة حسم النزاعات بين الأطراف
دون إتاحة أي مجال للخلط بين اللجوء إلى التحكيم واللجوء إلى القضاء الذي هو الأصل
من جهة أخرى .
د
– وكذلك يتعين تجنب تخيير الأطراف أو استخدام العبارات التخييرية في شرط التحكيم
وأن يكون التفويض إلزامياً لا اختيارياً ،
ففي حالة النص على أن (( أي نزاع .. يتم حله بطريق التحكيم الخاص أو وفقاً لقواعد
... )) فإن استخدام حرف التخيير (( أو )) من شأنه إهدار الوقت والجهد وإضعاف شرط
التحكيم لدرجة قد تهدر الغاية المتوخاة من اللجوء إلى التحكيم .
2 – الشرط الضيِّق والتحديد
الناقص لنطاق التحكيم :
يجب أن تتطرق صياغة
الاتفاق التحكيمي إلى نطاق التحكيم وتحديد المسائل التي ستكون محلاً للتحكيم والتي
يستطيع المحكم أو هيئة التحكيم التحرك في دائرتها.
فالخصومة أمام هيئة
التحكيم تختلف عن الخصومة أمام المحاكم حيث يمكن لكل طرف تقديم طلباته وتعديلها
والإضافة عليها ضمن إطار واسع حدده قانون أصول المحاكمات ، أما أمام هيئة التحكيم
فلا يمكن إثارة المسائل التي لم يتضمنها اتفاق التحكيم ولا البحث في نزاع يخرج عن
النزاعات التي نص عليها البند التحكيمي أصلاً .
وعند اتفاق الطرفين على
حل النزاعات الناشئة عن عقد ما عن طريق التحكيم ، فإنه من الأفضل من حيث المبدأ أن
تشمل سلطات المحكمين كل نزاع يمكن أن ينشأ بين الأطرف .
ونظراً لأن شرط التحكيم
واتفاق التحكيم بشكل عام غالباً ما تتم صياغته عند التعاقد وقبل نشوء النزاع فإن
هذه الصياغة قد تتم بشيء من عدم الاهتمام أو عدم الاكتراث ، وقد يذهب الأطراف في
بعض الأحيان إلى مزيد من الحرص والحيطة فيتم تحديد الصلاحيات التي يفوض بها
المحكمون وقد يكون لذلك في كلا الحالتين أثر سيء على العملية التحكيمية وقد يؤدي
إلى فشل التحكيم أو إبطال حكم المحكمين في حال صدوره .
مثال :
(( إن أي نزاع ينشأ عن تنفيذ أو تفسير هذا العقد يتم
حله بطريق التحكيم )) .
إن هذه الصياغة لشرط
التحكيم وإن كانت توجب اللجوء إلى التحكيم فعلاً , إلا أنها لا تحقق الغاية
المرجوة من بند التحكيم , وإن مثل هذا البند التحكيمي هو بند ناقص ويثير مسائل
قانونية في غاية الأهمية بخصوص الطلبات والمنازعات التي تدخل ضمن حدود هذا النص .
فهل طلب فسخ العقد مثلاً أو تصفية الشركة على سبيل المثال يدخل ضمن صلاحيات وسلطة
هيئة التحكيم في ضوء عبارات هذا النص ؟
وقد يتصدى الطرف الآخر
في الخصومة لذلك ويقول أن مسألة فسخ العقد ليس طلباً ناشئاً عن تفسير العقد أو
تنفيذه وأن هيئة التحكيم لا تملك تبعاً لذلك البت بذلك الطلب .
كذلك فإن من شأن مثل
هذه الصياغة لشرط التحكيم أن تغفل عناصر رئيسية في التحكيم وتعطي لهيئة التحكيم
الحق في الاجتهاد فيها كما في تحديد لغة التحكيم ومكان التحكيم والقواعد الإجرائية
للتحكيم والقانون واجب التطبيق على موضوع الدعوى وغير ذلك .
3- الإفراط في
التفاصيل وتضمين البند التحكيمي توقعات غير واقعية :
إن حشو البند التحكيمي
بتفاصيل ثانوية وجزئيات غير ضرورية يعد خطأً كبيراً قد يطيح بالعملية التحكيمية
برمتها . فليس الأمر إظهار قدرة من يصوغ بند التحكيم على اختراع أكبر قدر من
الشروط والتفاصيل لأن ذلك قد يؤدي إلى وجود بند تحكيم يصعب أو يستحيل إنفاذه .
فعندما يحتوي بند
التحكيم على تفاصيل مفرطة وثانوية فإن ذلك قد يؤدي إلى استحالة إخضاع النزاع عند
نشوئه للتحكيم .
كذلك الأمر عندما يضع من
يصوغ بند التحكيم توقعات غير واقعية فيه كأن يضع مهلاً زمنية غير واقعية لإجراءات
التحكيم فقد يؤدي ذلك إلى انتهاء مدة التحكيم قبل أن يتمكن المحكمون من إصدار
قرارهم .
مثال :
((
يعين طالب التحكيم محكَّمه وقت بدء الإجراءات ، ويعين المحتكم ضده محكَّمه خلال سبعة
أيام . ثم يعين المحكمان المعينان المحكم الثالث المرجح في غضون سبعة أيام من
اختيار المحكم الثاني وتبدأ جلسات المرافعة في غضون خمسة عشر يوماً من اختيار
المحكم المرجح وتنتهي بعد ثلاثة أيام ويصدر المحكمون قرارهم في غضون سبعة أيام من
انتهاء جلسات المرافعة )) .
كذلك في إحدى قضايا التحكيم نص بند التحكيم على :
((
تحدد مهلة زمنية ثلاثة أشهر للمحكمين لإصدار قرارهم بدءاً من تاريخ اتفاق التحكيم
على أنه يجوز للطرفين تجديدها أربع مرات فقط )) ,
لكن أحد الطرفين رفض تجديد المدة فقضت هيئة التحكيم
بانتهاء تفويضها .
وبذلك يكون الإفراط في
التفاصيل وحشو البند التحكيمي بمجموعة من التوقعات والمهل غير الواقعية من شأنه أن
يؤدي إلى فشل البند التحكيمي في تحقيق الغاية التي كانت ترتجى منه عند تنظيمه
وصياغته .
4- الخلط بين دور
ومهمة المحكم ودور ومهمة الخبير الفني :
قد يلجأ من يصوغ البند
التحكيمي إلى اختيار هيئة تحكيم مؤلفة من خبراء بالمسائل الفنية موضوع العقد
الجاري بين الطرفين . وهذا أمرٌ يتعين التوقف عنده والانتباه إليه . فالإغراق فيه
يهدد العملية التحكيمية . فالتحكيم هو عملية قانونية , وإن المحكمين يستطيعون
اللجوء إلى الخبرة الفنية والاستعانة بالخبراء للاستفسار عن أية مسألة فنية وليس
ضرورياً أن يكون المحكم نفسه خبيراً بالمسائل الفنية موضوع النزاع .
وإن احتمال وقوع
الخبراء الفنيين في أخطاء وثغرات قانونية هو احتمال قائم في كل وقت عند قيامهم
بمهمة التحكيم .
مثال :
((
يجري التحكيم بواسطة ثلاثة محكمين يجب أن يكون كل منهم ضليعاً في اللغة المجرية
وله خبرة عشرين سنة أو أكثر في تصميم برمجيات الكمبيوتر .. )) .
إن مثل هذه الصيغة تخلط
بين دور المحكم ودور الخبير الفني في عملية التحكيم وهو ما قد يسيء إلى العملية
التحكيمية ويزيد من احتمال وجود الثغرات والأخطاء القانونية في إجراءات التحكيم
وفي الحكم التحكيمي .
5-
اللغو في الكلام وعدم اتفاق عبارات الشرط التحكيمي مع بقية بنود العقد الذي يتضمنه:
يقصد بعيب اللغو في
الكلام إدراج عبارات في شرط التحكيم من شأنها أن تقيد معناه .
ويزداد تفاقم الأثر السيئ لهذا العيب إذا ما تضمن العقد
الذي يحتوي مثل هذا الشرط التحكيمي عبارات لا تتفق مع عبارات الشرط التحكيمي .
مثال : في القضية
التحكيمية التي نظرت أمام غرفة التجارة الدولية بباريس برقم /3380/ لعام 1980
والمتكونة بين الجانب السوري والجانب الإيطالي ، نص العقد في بند مستقل على أن
القانون الواجب التطبيق هو القانون السوري ، في حين أن شرط التحكيم تضمن عبارة تنص
على أن (( يحكم المحكمون طبقاً للمبادئ العامة للقانون والعدالة )) .
حاول محامو الجانب
السوري الدفع بأن العبارة الواردة في شرط التحكيم تنصرف إلى قانون الإجراءات وقانون
التحكيم فقط نظراً لورودها في شرط التحكيم أصلاً . لكن هيئة التحكيم رفضت هذا
الدفع وقضت بأن النية المشتركة للطرفين لم تكن كذلك وحاولت التوفيق بين هذه
العبارة من جهة وبين القانون واجب التطبيق من جهة أخرى فطبقت القانون السوري وقضت
بأن العبارة المذكورة تقيد نطاق القانون السوري لحماية الطرف الخاص من أية أحكام
مرهقة ينص عليها القانون قد لا تكون في صالحه .
6- التحديد الخاطئ أو غير الدقيق للمؤسسة التحكيمية :
أمثلة :
(( يتم إحالة أي نزاع
أو مخالفة بشأن هذا العقد إلى غرفة التجارة الفرنسية في ساو باولو )) .
(( في حالة عدم التوصل
إلى تسوية ودية ، يتم حسم جميع المنازعات الناشئة طبقاً لقواعد تحكيم غرفة التجارة
الدولية في زيورخ )) .
إن هذه الشروط تعد
شروطاً معيبة لأنها لا تحدد المؤسسة التحكيمية بشكل صحيح ودقيق . فالشرط الأول
يتعامل مع كيان غير قائم على الإطلاق . والشرط الثاني يتكلم عن غرفة التجارة
الدولية في زيورخ بسويسرا ، في حين أن غرفة التجارة الدولة تقع في باريس ، فهل
يقصد الأطراف اللجوء إلى التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية على أن تكون زيورخ –
سويسرا مكاناً للتحكيم أم أنهم يرغبون في التحكيم طبقاً لقواعد الغرفة التجارية
بزيورخ – سويسرا .
وإزاء نشوء مراكز
التحكيم في سورية فإنه يتعين تحري الدقة والتسمية الصحيحة عند اعتماد مركز تحكيمي
معين لحل النزاع موضوع الشرط التحكيمي .
7- تعيين شخص بالاسم محكماً في بند التحكيم :
مثال :
(( إن أي نزاع ينشأ عن هذا العقد يتم حله من قبل المحكم
المنفرد السيد الدكتور أسعد .. )) .
إن مثل هذا الشرط خطير
للغاية . فعند نشوء النزاع قد يرفض المحكم المسمى التحكيم ، وقد يتعذر عليه القيام
به لمرض أو وفاة أو غير ذلك .
وتقول محكمة النقض السورية في ذلك :
(( إن اعتذار المحكم الخاص الذي سماه الطرفان وفوضاه بالصلح
لا يعطي المحكمة حقاً بتسمية سواه . وإن التحكيم بالصلح يزول حتماً بامتناع المحكم
عن العمل أو التنحي عنه ويسقط ويعتبر كأن لم يكن ولا تملك المحكمة تعيين بديل عنه
سواء كان هذا الامتناع قبل البدء في المهمة أو بعده أو قبل إتماماً .
وإن شرط التحكيم يعتبر منتهياً إذا اعتذر المحكم المسمى
والمفوض بالصلح عن أداء عمله وإن الاختصاص بالنظر بالنزاع يعود إلى القضاء العادي )) .
وقد ذهبت محكمة البداية
المدنية الرابعة بدمشق بقرارها رقم /2/ أساس /8/ مذاكرة تاريخ 30/4/2008 إلى أن :
(( الاتفاق على حل النزاع عن طريق محكمين معينين
بأشخاصهم فإن اعتذار هؤلاء أو عدم قيامهم بالمهمة يعيد الاختصاص للقضاء صاحب
الولاية العامة طبقاً للقواعد العامة .. ولا يجوز قانوناً تسمية محكم بدلاً عن
المحكم المعتذر )) .
8- تفويض شخص معين باسمه أو بصفته باختيار وتسمية المحكم
:
كأن يفوض الأطراف رئيس
غرفة التجارة مثلاً أو عميد كلية الحقوق في جامعة دمشق أو رئيس مجلس الدولة على
سبيل المثال باختيار وتسمية هيئة التحكيم.
وهذا أمرٌ محفوف
بالمخاطر لأن مثل هذا التفويض أو التكليف لا يلزم الشخص الذي يشغل ذلك المنصب
فيمكنه الامتناع عن تعيين وتسمية المحكم دون أية مسؤولية .
وكذلك الأمر في حال
تفويض أو تكليف شخص معين باسمه لتسمية هيئة التحكيم فيرد عليه ما ذكر إضافة إلى ما
سبق وبيّناه بشأن تسمية محكم بالاسم .
رابعاً
– أهم العناصر الأساسية التي ينبغي إدراجها في بند التحكيم :
1-
إقرار
التحكيم كوسيلة ملزمة لحل النزاع بين الطرفين .
2-
الاتفاق
على أن حكم التحكيم نهائي وملزم .
3-
تحديد
نطاق بند التحكيم والنزاعات التي يشملها .
4-
تحديد
عدد المحكمين .
5-
تحديد
أسلوب اختيار وتسمية المحكمين .
6-
تحديد
لغة التحكيم .
7-
تحديد
مكان التحكيم .
8-
تحديد
القانون واجب التطبيق .
النتيجــة :
إن الصياغة المتقنة لبند
التحكيم تجنب الطرفين الكثير من المشكلات والصعوبات وتحصِّن البند التحكيمي وتحمي العملية
التحكيمية في بعض الأحيان من الفشل . ويكون لهذه الصياغة المتقنة أثر كبير في نجاح
عملية التحكيم ، خاصة حين تكون هناك دراسة دقيقة للقوانين الإجرائية والموضوعية
التي تلائم العلاقة والمعاملة موضوع البند التحكيمي ويفضل الطرفان تطبيقها على
موضوع النزاع .
------------------------------------------
--------------------------------
----------------------